لوحات وأفكار
تعنى بشؤون الثقافة والفنون
مدخل الى مدارس الفن الحديث

 

إن جدلية العلاقة بين الغائية والموضوع من جهة وبين اللاغائية والذات من جهة اخرى ، انعكست على الفن بوضوح ، فتنازع المحيط الموضوعي بكل ما يحمله من قيم وعقائد ومصالح واحلام افضت بالضرورة إلى جعل الفن سائرا في ركاب هذا الجدل ، دون الوصول إلى احداث تواشج أو تعايش تأملي جمالي تطمح الذات في نشاطها الابداعي الفردي الموجه إلى الداخل إلى بلوغه ولو بشكل محدود التداول ، وهذا ما عبر عنه ( ريد ) بقوله : " ان طاعة سلطة ما في ظل ظروف خارجية تفرض ضغطاً شديدا على الفن وقد يكون مصدر السلطة واقعاً في نطاق الفرد نفسه أو في نطاق المجموعة المذعنة " ( 1 ) ولقد استمدت مرجعية الفن الموضوعية الغائية مشروعيتها من طبيعة البنية الفكرية العقائدية المهيمنة على الوعي الانساني في حقب الحضارة الأوربية منذ الأغريق وحتى بواكير النهضة . ولعل الإستعانة بالثقافة الأغريقية القديمة كدافع للديانة المسيحية في عصر النهضة ، وشيوع        ( المذهب الإنساني ) أدى إلى تغيير الرؤية المفاهيمية للوجود والعالم – وهو محور فلسفي اساسي ضمن محاور الفلسفة اليونانية القديمة الوجود ، المعرفة ، القيم – حيث ترحل وفقاً لذلك التغيير الأنموذج المثالي القيمي من الإله – المطلق إلى الإنسان النسبي النهضوي . فالأله تجسد على يد ( مايكل أنجلو Maichel Angelo) بصورة شخص كبير الحجم في جدارية رسمها على سقف كنيسة ( السيستين – Saistena  )  (شكل 1 ) وكذلك دفع         (  ليوناردو دافنشي  Leonardo Davenshi  ) النزعة التشخيصية الإنسانية إلى الأمام بتحويله للأنموذج الإنساني القيمي إلى فرضيات هندسية وأقيسة وقوانين للنسب  ( 2 )          ( شكل 2 ) . إنتهت بدورها إلى وضع ( النسبة الذهبية ) كعرف منطقي رياضي يعد قاعدة ثابتة في تقاليد الرسم الكلاسيكي وانموذجاً جمالياً لا يخلو من مرجعيات ( فيثاغورية ) نادت من قبل بإعتبار العدد أساساً للوجود ومظاهره .( 3 ) بما يرسخ المعيارية وبالتالي الجمالية الغائية .

 

ان المعايير الهندسية المبنية على أساس حسي عقلي حولت الأنسان والأشياء ايضاًمن جانبها القيمي المثالي إلى حالة واقعية تزيد من خصوبة المحيط الموضوعي ذو العلاقة الحميمة بالعقبة الكئود التي تقف بوجه اللاغائية متمثلة بـ( نظرية المحاكاة ) ( * ) الأكثر ولاءً لجهة الغائية في الفن لإعتمادها الحس والعقل في إراءة اللامرئيات ، أي تنحية المفردات والحقائق الميتافيزيقية لصالح النموذج الفيزيقي العياني القابل للقياس والمشيد وفق أسس عقلية وحسية تتوقف علاقتها بالذائقة الجمالية على مقدار تطابقها مع اصولها الواقعية أو أنموذجها المثالي . فتماثيل ( بوليجنوتوس ) وصفت بأنها " صورت الناس على صورة افضل من حقيقتهم " ( 1 ) أي بطريقة نموذجية تحاكي المثال الوضعي المتمثل بـ" الصفات المنطقية المنشودة التي تحقق التشابه بين الإنسان والآلهة إلى حد كبير "( 2 ) إذ أن الفنان كان يبحث عن حقيقة حسية مبنية على توافق الصورة المثالية مع طبيعة العرف السائد في الوعي المعرفي والجمالي اليوناني وبما يحقق قيمتي الحق والخير مقنعة بمضامين الفضيلة والمعرفة وهما غايتان ألتزمتهما بصرامة أشد تعاليم المسيحية ايغالاً في تهميش الإنسان كقيمة لصالح العقيدة الدينية ، فالفنان لم يتعدى دوره دور الصانع الذي يهدف من خلال نتاجه الفني خدمة القضية الدينية المكثـفة للمواعظ والعبر كأدوات للوصاية على المجتمع .

فالمواضيع التصويرية التي نفذت بأسلوب شاعري يزاوج بين العمارة والتصوير النحتي كانت تلمس في ثناياها بصمات القيود الموضوعية حتى على صعيد الصياغة الشكلية ، ليأخذ الجانب الوظيفي ألتزيني لهيكل العمارة الكنسية الضخم طابعاً عاماً يهدف بشكل أساس إلى ترسيخ و توصيل فكرة روحية تؤكد أهمية دور الدين في حماية الإنسان من الضياع والانحراف ، لذا مثلت نتاجات الفن في تلك الفترة مشاهداً دينية بأسلوب كلاسيكي .

إن تدني القيم الروحية المثالية في أوربا خلال القرون الوسطى اثر بشكل مباشر على نوعية المنتج الفني وأساليب تنفيذه التي ظلت أسيرة لفكرة اجترار الواقع ، وذلك يعود إلى ارتباط ( الفن والفكر) بشكل مباشر بالدين متمثلاً بالكنيسة ، ولاستيضاح مدى مصداقية هذا الافتراض وفهم كنهه نؤشر فارقاً ملموساً بين موقف الدين المسيحي والفكر الأوربي من الإله من جهة ، وموقف الدين الإسلامي من ( الله عز وجل ) غير المرتبط بإطار مرئي دنيوي محدد ، فالعمل الفني المجرد في الإسلام يصبح دالاً ذا مدلول غيبي ، حيث يرجع المتلقي إلى غير المجسد وغير المتخيل وهو ( الله ) تعالى وبذلك يتحقق تشكيل دال مجازي بصري مرادف لمدلول الصورة يسمى التجريد .( 1 )ولكن المهمة الإيمانية المناطة بالفن الإسلامي وإن إختلفت اشكاله التجريدية ، تختلف عن دور التجريد الحداثي الذي يفقد المرجعية والوصاية ويتخلى عنها لتكون الذات حرة في التقديرعلى عكس الذات المسلمة التي تتلاشى في الذات الإلهية المطلقة التي تحتوي كل الذوات الاخرى . كما إن الفنان المسلم يرجئ غايته من الحياة الدنيا إلى الآخرة حيث الحياة الأبدية وهذه الفكرة توازيها فكرة التجريد الحداثي إلا ان جذورها الإيمانية تختلف لدى التجريديين حيث تكون الذات هي البديل المعادل لفكرة الأله مما جعلها في حالة من الحركة ذات السمة الجدلية التي تبلورت في مدارس وتيارات الفن الحديث ، وهذا ما عبر عنه ( مالرو ) بقوله : " ان حضارتنا هي الحضارة الوحيدة في التاريخ التي تجيب على سؤال : ما معنى حياتنا ؟ بلا أعرف " ( 2 ) وهذا يدل على ضبابية الرؤية الغائية من الحياة وكل الأنشطة التي تمثلها ومنها الفن . وهذا ما أدى إلى نموتشعبات فكرية بلغت حد التشتت في الرؤية المعيارية وحدت بالإنسان إلى أن يعتمد على ذاته إلى أقصى الحدود للبحث عن المفاهيم العامة التي تحكم العلاقة بين الإنسان والكون وقد قاد ذلك إلى تفكك داخل إطار كل المؤسسات المتعددة بدورها . مؤكدة بذلك حقيقة ضياع الإنسان وقيمه وضياع الوجهة الإيمانية المتهالكة ، مما دفع بالضرورة الى البحث عن ملاذات بديلة للوجهة المعيارية الدينية تتخذ طابعاً ذاتياً فردياً مدعماً بطروحات العلم والفكر الفلسفي والجمالي مع الإيمان بما يفرزه العصر من حاجات ، مما سيؤدي تدريجياً إلى ظهور وتبلور اللاغائية بفعل الإزاحة من المطلق إلى النسبي ومن الثبات إلى الحركة .

 

من جانب آخر يمكن فهم الغائية في الفن الكلاسيكي المنكب على تصوير البطل في صورة كلية واقعية ذات نزعة تمثيلية محاكاتية تستند جمالياً إلى مبدأ التطابق مع جزئيات الشيء لتحقيق الجمال . ( شكل 3 ) الذي تحول بدوره كقيمة إلى مفهوم القبح المتمظهر في الفن المعاصر المحتفي بصور التمزق والتفتت بدلاً من التناغم والإنسجام ( الأرسطي ) وأصبح القبح مفهوماً إيجابياً بعلاقته مع الواقع إذ ينتشل الفرد من حالة الإنغماس في الواقع وتشييد واقع ذاتي أكثر تصويباً للحقيقة من وجهة نظر الذات الفردية المجردة .( 1 ) وكان لهذا التحول في مفهوم الجمال أن ادى إلى تحويل في علاقة الشكل بالمضمون ، فبعد أن تسيد المضمون في النمط الرومانسي حسب هيجل على العمل الفني ، تحول الإهتمام إلى الشكل الذي ترحل بفعل التجريدات المتراكمة إلى حالة من الإغتراب عن واقعه العياني حيث فقد المعنى في الفن التجريدي بفعل تنامي قدرة الفنان على ( التحرر من سلطان الشيء ) على حد تعبير     كاندنسكي .( 2 )

 

إذن فالجمال الكلاسيكي ذو الوجهة الغائية يقترن بما يحمله العمل الفني من قيم الحق والخير المدركة حسياً وعقلياً والمعبر عنها بأسلوب يحاكي المرئيات في الواقع ، بينما يتجاوز الجمال التجريدي أو اللاغائي بشكل عام ، القيم الموضوعية ويمارس حالة من اللعب الحر الذي يتنزه عن الغاية ، وهذا ما يميزه عن التجريدات الزخرفية والهندسية ذات الطابع الروحي المتجذر بسبب ولاء الذات إلى ذات جمعية تمثل الخارج الموضوعي .

ومن هذا المنطلق تحطم الشكل النهضوي ذو البعد الكلاسيكي كنقطة إرتكاز ، حيث جرت محاولات لبعثه في القرن الثامن عشرعلى يد ( دافيد Daived ) في ما يعرف بـ( الكلاسيكية الجديدة )ولكنها فشلت لإختلاف معايير العصر ، وبالتالي ظهرت تيارات تتمرد على الشكل الكلاسيكي المستهلك ذي الخصائص المثالية وأول من قطف ثمار هذا التمرد هي الرومانسية والتي كان من أهم ملامحها كحركة فنية جديدة ( بروز البعد الذاتي ) الأكثر نسبية . والذي وصف ( مرسيا الياد ) دور الفنان فيه : " كان عليه أن يرمي في هاوية العدم تلك الأطلال والأنقاض التي راكمتها الثورات التشكيلية السابقة . لقد كان عليه أن يصل إلى وضع رشيمي محدد للمادة حتى يستطيع أن يبدأ ثانية تاريخ الفن إنطلاقاً من الصفر ." ( 1 ) لقد اقتدت الرومانسية برسومات ( تيرنر Tirner  1775 – 1851 ) التي تناغمت مع الحدس البرجسوني ومقولة  ( الديمومة ) ، " فعلى الرغم من أن تيرنر رأى كل ما في الطبيعة من خلال عينيه الثاقبتين – أي بحسية مباشرة – إلا أن الأشكال التي رسمها محيرة عادةً ، وان العناصر المتصارعة تثيره على نحو كوني على غرارموسيقى فاغنر )( 2 ) أي ان تيرنر يحاول افنفلات من آلية الرسم الإستنساخية ذات المرجعية الكلاسيكية ، بخلق ضبابية وغموض جعلت من رسوماته عوالم خيالية سحرية تحاكي الوجدان والعاطفة وإنفعالات الروح لا العقل والحواس ، مبنية على جانب شكلي أثيري يخفف من ثقل المادة ويجعل من الألوان نوراًخالصاً بعيداً عن فكرة أو مضمون أو معنى محدد سيما تجنبه للتشخيص وإهتمامه بالمشاهد الطبيعية اللاتشخيصية ( شكل 6 ) واللامبالية بالتفاصيل التي إعتبرها ( كونستابل Constable  1776 – 1837 ) شرطاً مهماً في تحقيق جمالية العمل الفني بفعل المحاكاة فهو يقول عن اللوحة " إن جميع أجزاءها ضرورية بعضها لبعض بإعتبارها كلاً ، ولدرجة أنه يشبهها بمعادلة رياضية ، إذا حذفت أو أضفت رقماً واحداً لها لأصبحت المعادلة خاطئة " ( 3 )

        نستنتج مما تقدم ، أن الرومانسيين اهتدو ا إلى حقيقة جمالية مفادها أن الحقيقة الجوهرية ليست بلضرورة ما يمكن الإحاطة به من تفصيلات المشهد العياني ، وإنما ما يمكن كشفها بالخيال والحدس والعاطفة والإنفعال لتجسيد حقيقة الأشياء الأثيرية وهذا ما أيده ( ديلاكروا 1798 – 1863 ) حين قال : " أن الخيال هو الذي يصنع اللوحة من واقع الطبيعية " ( 4 ) وبهذا شكلت الرومانسية لحظة حداثة حقيقية بقطيعتها " لخمسة قرون من الجهد البحثي ، فلم يعد المظهر الحقيقي للعالم المرئي ذا أهمية رئيسية ، وصار الفنان ينشد شيئاً ما تحت المظاهر ، وينشد بعض رمز تشكيلي سيتضمن مغزى الواقعية بشكل يفوق ما يتضمنه أي نسخ مضبوط "( 5 ) من هنا كانت الرومانسية آخر حصون المثالية وبوابة واسعة الفن الحديث ، فمفهوم الفن أخذ طابعاً خصوصيأً نسبياً في نظرته إلى حقائق الحياة المتباينة مع الحقائق العلمية المنطقية " فالعالم يفتش عن حقائق أكتسبت صفتها من كونها توازي أشياء في العالم خارج نطاق ذاته ، أما الفنان فيفتش عن حقائق لا داعي لكونها مظبوطة إلا بمقدارما تبدو له كذلك وبمقدار ما تبدو صحيحة في نواميس الكون المصطنع الموضوع ضمن إطار العمل الفني الذي يخلقه الفنان " ( 1 )

        إن البحث في أركيولوجيا الحداثة يحدد طبقات تأسيسية لها أسهمت بشكل فاعل ومباشر في جدلية الفكر والفن وأدت إلى إحداث إزاحات مهمة على أصعدة متعددة وهي كالآتي :

1-  الطبقة العلمية : تتمثل بـ(جاليلو ، وكوبرنيكوس )

2-  الطبقة الفلسفية : تتمثل بـ( ديكارت وكانط )

3-  الطبقة السياسية : تتمثل بالثورة الفرنسية .

4-  الطبقة التكنولوجية : تتمثل الثورة الصناعية .

5-  الطبقة الجمالية الفنية : وتتمثل بـ( رامبو أو مالارميه ، مانيه أو سيزان ، فاجنرأو ماهلر)

6-  الطبقة النقدية : وتتمثل بـ( نيتشه ) ( 2 )

 

إذ أعتبرت هذه الثورات أساساً لخلق رؤية جديدة للمفاهيم المتقادمة المستهلكة أدت وبشكل فاعل في صياغة ( ذات ) فنية جمالية تتفاوت في رؤاها للمحيط الموضوعي وتقترح فرضياتها التي حاولت من خلالها البحث أو اللابحث عن الحقيقة في الشكل وعناصره تارةً وفي المضمون ودلالاته تارةً اخرى أو في هجر هذين الجانبين والبحث عن جمالية جديدة متفردة لامرجع لها سوى أصوات الذات وليس العالم بالنسبة لها إلا ميداناً للجدل وحلبة للتصارع الفكري .

       

لقد تلخص التوجه الفكري والجمالي بوجهة جديدة يمكن تحديدها بما قاله ( تيوفيل جوتيه 1811 – 1872 ) ذات مرة " كل ما هو مفيد قبيح ، الجميل لا يفيد شيئاً ، فقط جماله هو الذي يبرره وكفى " ( 1 ) وهكذا وجدت حركة اهتزازية في الفن تمثلت بتارجحه بين الولاء للغائية المتمثلة بتسخير العلم ومعطيات الحضارة العلمية الجديدة في الفن وطرحها للمجتمع ، أو بالولاء لللاغائية التي تحاول المحافظة على خصوصية الفن وجماليته الخالصة بعيدا عن الوظائفية والمنفعية .

 ومن خلال سياق القراءة العلمية في هذا الفصل يمكن التعرف على طبيعة التداخلات والتجاذبات بين كلا الوجهتين ومدى تضايف المحيط الموضوعي مع الذات وإنعكاس ذلك على بنية المنجز الفني التشكيلي في مدارس وتيارات الفن الحديث .

       

ولتعميق هذه القراءة يرى الباحث أن الفن الحديث كان صنيعة تلاقح الفكر الإغريقي القديم مع الفكر الفلسفي والجمالي اليوناني مع الفكر اللاهوتي الوسيط وحتى النهضوي . لذا كان الفن الحديث يتغذى من روافد الأفكار والقيم الموضوعية وتراكمات القيم الفنية في الفن الاوربي ، مما جعله مديناً بشكل أو بآخر إلى موئله المرجعي الذي تدخل بشكل جلي مؤشراً دور الوصاية الذي مارسه المحيط الموضوعي  على الفن والذي أخذ بالتقهقر امام النضوج الفكري والجمالي المتسارع ، حيث تحول النور الأول الذي سطع في سماء الفن إلى إنطباعات وتحول العالم في نظر الحداثة إلى ميدان للتأمل وتحولت الأشكال الموروثة من الوعي الموضوعي إلى ظلال أشكال فغدا الإنسان في اللوحة الإنطباعية إلى مجرد ظل ملقى على الأرض ، بعد أن كان في الكلاسيكية محل احتفاء وتمجيد . كما إن طريقة رؤية الإنسان للأشياء والتي بنى عليها إدراكاته ترحلت من المعرفة الفطرية والتلقينية ، إلى معرفة إستكشافية ذاتية حافظت على علاقة التحايث بين المعطى الحضاري والمعطى الجمالي المرتهنين بفكرة القوة وروح الإكتشاف التي لطالما داعبت الذات الحداثية والتي أثمرت عنها توجهات فنية متنوعة ضمن حقبة المائة سنة منذ اواسط القرن التاسع عشر وحتى ستينيات القرن العشرين .

ولكن حالة الألفة بين الذات والموضوع تلك ما لبثت أن تتحول إلى حالة مرعبة من القطيعة والتمرد على كل ما ورثته الذات عن محيطها والذي اوصلها ببشاعة الحروب وما آل اليه مصير الإنسان في العالم ال حالة من الغربة واليأس والإحباط احدث ردة فعل قوية بإتجاه أعماق اللاشعور اذ أخذ الفنان يحدد صياغاته الشكلية البنائية وأسلوبه الفني وفقاً لرؤيته الذاتية وليس رؤية اخرى مجترة من وعي آخر لم يعد ملائماً أو متناسباً مع الوعي المعاصر التواق إلى تدشين مناطق عذرية في الفن يمكن بواسطتها خلق يوتوبيا يحاول الفنان بنائها لنفسه .

 

لذا فإن ما يمكن قوله عن التحول الكبير الذي حصل بين فترتي الحداثة وما قبلها هو مايمكن إستيضاحه على صعيد المنجز الفني ، وأهم المؤشرات الممكن إستخراجها هنا ، هو التحول من الغائية إلى اللاغائية ولكن بشكل تدريجي ، وما يؤكد ذلك تبدل القيم التي هيمنت على المدارس الفنية الماقبل حداثية من حالة القيم المضامينية الى القيم ذات التداعيات الشكلية ، وهذا ما يستشف من تتبع تحولات السياق الجمالي للفن الحديث حيث التخلص التدريجي من الوصاية المضامينية إلى النبوغ الذاتي للشكل ، ولعل هذا الإستنتاج سيكون محوراً أساسياً تدور حوله مجريات المبحث الحالي لتكون هذه الفرضية بمثابة الفنار الذي يهتدي به الباحث في تيه البحر المحتدم  بتيارات المد الفكري والجمالي التي جادت بها حقبة أساسية في مسيرة الفن الأوربي المعروفة بالفن الحديث .

 



( 1 ) ريد ، هربرت : تربية الذوق الفني : تر : يوسف ميخائيل اسعد ، ص483 .

( 2 ) عبد العزيز ، محمد : التجريد في الفن بين الإسلام والغرب ، الشبكة الدولية للمعلومات ، www.Islamonline.net

( 3 ) رايسر ، أدولف : بين الفن والعلم ، ترجمة سلمان الواسطي ، دار المأمون للنشر ، وزارة الثقافة والإعلام ، بغداد ، 1986،ص 24.

( * ) نظرية المحاكاة Imitation  : وهي من النظرياتالجمالية التي جادت بها الفلسفة الجمالية اليونانية ، أحالها أفلاطون إلى جمال الجوهر أي محاكاة حقائق علوية تقع في عالم المثل ، بينما أشار أرسطو في ( فن الشعر ) على أنها لا تعني أن تصوير شيء جميل ينعزل عن الأخلاق والفضيلة . وإن محاكاة الشيء لا تعني نقله جامداً وبصورة حرفية من الطبيعة ، بل تعني خلق كائنات تامة الصورة بإضفاء الصورة والشكل على المادة . للمزيد ينظر : الصولي ، أحميده : المتلقي والعمل الفني ، مطبعة فن الطباعة ، تونس ، 2001 ، ص 40 – 41 . 

( 1 ) بورا ، س . م : التجربة اليونانية ، ترجمة أحمد السيد ، الهيئة المصرية العامة للكتاب ، االقاهرة ، د . ت ، ص 223 .

( 2 ) .المصدر السابق نفسه ، ص 223 .

( 1 )  عبد العزيز ، محمد : التجريد في الفن بين الإسلام والغرب ، مصدر سابق . أو ينظر : الخزاعي عبد           السادة عبد الصاحب : الرسم التجريدي بين النظرة الإسلامية والرؤية المعاصرة ، مصدر سابق ، ص !

( 2 ) جارودي ، رجاء : حفارو القبور ، ترجمة رانيا الهاشم ، منشورات عويدات ، بيروت ، 2003 ، ص 7 .

( 1 ) محمد ، رمضان بسطاويسي : علم الجمال لدى مدرسة فرانكفورت . ادورنو نموذجاً ، مطبوعات نصوص ، القاهرة : 1996 ، ص 102 .

( 2 ) كاندنسكي ، فاسيلي : كاندنسكي بقلمه ، ترجمة عدنان المبارك ، مجلة فنون عربية ، العدد 2 ، 1981 ، ص 99 .

( 1 ) إلياد ، مرسيا ك مظاهر الاسطورة ، ترجمة نهاد خياطة ، دار كنعان للدراسات والنشر ، دمشق ، د . ت ، ص 71 .

( 2 ) ليفاي ، مايكل : من دافنشي إلى سيزان – موجز تاريخ الرسم ، ترجمة فخري خليل ، دار الشؤون الثقافية ، بغداد ، 2000 ، ص 118 .

( 3 ) برتيلمي ، جان : بحث في علم الجمال ، مصدر سابق ، ص 239 – 240 .

( 4 ) برتيلمي ، جان : المصدر السابق نفسه ، ص 232 – 235 .

( 5) ريد ، هربرت : حاضر الفن ، ترجمة سمير علي ، دار الشؤون الثقافية ، بغداد ، 1986 ، ص 41 ز

( 1) وود كرتش ، جوزيف : الإنسان الحديث – دراسة في مزاجه وقضاياه - ، ترجمة بكر عباس ، دار الكتاب العربي ، مؤسسة فرنكلين للطباعة والنشر بيروت – نيويورك ، 1965 ، ص 177 . 

( 2) صالح ، هاشم : مفهوم الحداثة بين الفكر والفن بين يدي البحث ، مجلة جسور الثقافية ، العدد 5 ، السنة الاولى ، 2005 ، ص 37 .

( 1 ) كروندن ، روبرت .م : موجز تاريخ الثقافة الامريكية ، تر: مازن حماد ، الاهلية للنشر والتوزيع ، الاردن ، 1995، ص375 ومايليها .

(2) تعليقات


Add a Comment

اضيف في 03 ابريل, 2008 03:53 م , من قبل نياز المشني

شكرا لك على الموضوع القيم

اضيف في 06 مايو, 2009 02:18 ص , من قبل sandrasi
من سوريا

انها مقالة ممتازة...
أتمنى أن تتبعها مقالات عن الإتجاهات الفنية
sandy



Add a Comment

<<Home